الرئيسية الرأي خفايا اتفاق باريس بين السراج وفرنسا

خفايا اتفاق باريس بين السراج وفرنسا

مصطفى الفيتوري

في خضم التركيز الإعلامي على اتفاق فايز السراج مع الحكومة الإيطالية ــ على دخول قطعها البحرية الي المياه الإقليمية الليبية في محاولة للحد من تهريب المهاجرين ــ ضاعت أخبار أتفاق أخر يبدو ان السيد السراج أبرمه مع الحكومة الفرنسية أثر لقاءه مع المشير حفتر أواخر شهر يوليو الماضي. ولم يسمع الليبيون عن هذا الاتفاق الا بعد أن أعلن عنه الرئيس الفرنسي مانويل ماكرو بعد توقيعه بأيام قليلة.

ويقضي الاتفاق المشار اليه بأن تفتتح فرنسا ــ وقبل نهاية الصيف ــ مراكز لدراسة ملفات اللجوء للراغبين في اللجوء الي فرنسا من المهاجرين المتواجدين على الأراضي الليبية ممن يعتزمون الوصول الي أوربا بشكل غير قانوني وذلك لمعرفة من تنطبق عليه شروط اللجوء فيتم قبوله ونقله الي فرنسا ومن لا يستحقه فيبقى حيث هو وهذا من شانه أن يقلل من عدد المهاجرين المتوجهين الي أوروبا حسبما برر الرئيس الفرنسي الأمر. وللأسف لم تهتم وسائل الأعلام الليبية بالأمر كثيرا ولم تشرح أبعاده ومخاطره للمواطن الليبي الذي تطحنه الازمات التي يعيش تحت وطئتها وطئها يوميا.

فماذا يعني ذلك الاتفاق من الناحية العملية وما علاقته بالسيادة الليبية؟

واقعيا يعني أن فرنسا سوف تفتتح مراكز عديدة في طرابلس لتلقى طلبات اللجوء من الراغبين فيه ويكون في تلك المراكز موظوفون فرنسيون ــ مع محليين يعاونونهم ــ من دائرة الهجرة والداخلية والخارجية الفرنسية فيأتي المتقدم للجوء ويقدم الأوراق المطلوبة لتتم دراسة حالته لمعرفة مدى أحقيته في الحصول على اللجوء الي فرنسا. ونظرا لأن أغلب المهاجرين يرغبون في الوصول الي أوربا يتوقع أن تتقدم أعدادا كبيرة من المهاجرين خاصة الأفارقه لهذه المراكز ومن يتم قبوله كلاجئ يتم نقله الي فرنسا ــ وهو المتوقع ــ وان كانت هذه النقطة غامضة كالاتفاق نفسه.

هذا العمل يحتاج الي شبكة اتصالات بين مراكز الاستقبال في طرابلس وبين الدوائر المختصة في فرنسا ويحتاج الي أعداد من الموظفين الفرنسيين يحتاجون بدورهم الي إقامة قانونية في ليبيا ونظرا لأن قانون الإقامة في ليبيا لا يسمح بالإقامة الا بعمل فأغلب الظن أن هؤلاء الموظفون سوف تتم معاملتهم على أنهم دبلوماسيون ليتمتعوا بالحماية اللازمة وأن كانوا لا يستحقون وضع الدبلوماسيين ومزاياهم التي يكفلها القانون الدولي.

اي مركز من تلك المراكز سوف يتم منحه ايضا وضع مبنى دبلوماسي وما يترتب عليه من التزامات كالحراسة والخدمات الأخرى وهذه تتحملها الدولة المضيفة اي ليبيا في حين أن حقيقة المبنى لا علاقة لها بالدبلوماسية أبدا.

من جانب أخر فأن اي مهاجر يتم رفض طلبه يعني أنه سيبقى حيث هو اي في ليبيا ليحاول من جديد الوصول الي أوربا عبر البحر ليغرق أو ينجو على مسئوليته الخاصة لأن الاتفاق لم يوضح ماذا سيحدث في مثل هذه الحالة؟ ومن شأن افتتاح مراكز كهذه أن يجتذب أعداد أكبر من المهاجرين من دول المصدر فالوصول الي ليبيا يظل أسهل من الوصول الي أوربا عبر البحر وأقل كلفة وأقل خطورة وهذا يعني تزايد اعداد المهاجرين الراغبين في الوصول الي أوربا.

وبالنظر الي حقيقة أن أغلب المهاجرين يسعون الي الانتقال الي أوربا لأسباب اقتصادية وليست سياسية فأن معظم الطلبات سيتم رفضها مما يعني ان مشكلة الهجرة لن تحل بهذه الطريقة في حين تجمع السلطات الفرنسية معلومات كثيرة عن الذين تقدموا للجوء من قبيل اسمائهم وهوياتهم وبصماتهم وهذه المعلومات ستقوم فرنسا بتعميمها على بقية دول الاتحاد الأوربي مما يعني أن اي لاجئ يتم رفضه من قبل فرنسا لا يحق له التقدم من جديد لدى أي دولة أخرى من دول الاتحاد حتى وأن كان على  اراضيها ــ وفق اتفاقية دبلن الخاصة باللجوء الي أوربا ــ وهذا يعني طبعا المزيد من المهاجرين فوق الأراضي الليبية لتستمر معاناتهم ومعاناة الليبيين معهم نتيجة الأمراض والأزمة الاقتصادية وارتفاع نسبة الجريمة وغيرها.

النتيجة الثابتة الوحيدة في هذه الحالة هي ارتفاع عدد المهاجرين في ليبيا ونفس الوقت تقليل فرص انتقالهم الي أوربا بأي وسيلة كانت وبالتالي تحقق فرنسا واوروبا هدفها الرئيسي الأول في دعمها اللامحدود للمجل الرئاسي الا وهو الحد أو منع تدفق المهاجرين اليها.

فوق هذا كله فأن السلطات الليبية وخاصة سلطات الهجرة ليس لها اي قول في الأمر ولا تستطيع الاعتراض على تلك الإجراءات ومع مرور الوقت ستجد ليبيا نفسها في موقف قانوني وأخلاقي مدان دوليا مما قد يجبرها على تغيير قوانينها الخاصة بالهجرة. فالقانون الليبي الحالي يعامل اي أنسان دخل الأراضي الليبية بدون صفة رسمية أو تأشيرة دخول على انه متسلل غير قانوني وبالتالي لا يحق له المطالبة بأي حق كحق العمل او الحماية أو المعونة المالية ــ وفق القانون الدولي للهجرة ــ والسلطات الليبية ومنذ عقود كانت تتعامل مع اللجوء من منظورها الخاص اي هي التي تقرر لمن تمنح صفة اللجوء ومتى وما هي الالتزامات التي تتحملها حينها.

اجلب المزيد
اجلب المزيد في الرأي