الرئيسية الرأي القذافي… لست الأول ولن تكون الأخير..!!

القذافي… لست الأول ولن تكون الأخير..!!

بقلم: ابريني خليفة

رحل القذافي عن هذه الدنيا بالطريقة التي أرادها و في المكان الذي أحب ، غيــر أن رحيـل الرجـل لم يكـن حـــدثا مفــرحا للجميــــع في داخل ليبيا و خارجها؛ فبقدر ما كان له من خصوم كثر كان له أيضاً أنصار كثر تأثروا سلباً برحيله.

لقد عمل القذافي طوال حياته – و تلك من أهم معضلاته مع شعبه – على تبني قضايا الشعوب المناهضة للإمبريالية العالمية المتجسدة في دول شمال الأطلسي الأكثر ارتباطاً في تاريخها بالاستعمار القديم و سلب خيرات الشـعوب المنكوبة الأقـل حظـاً مـن النمــو و التي اســتقبلت بـدورها النبأ و المشاهد المقززة لرحيل الرجل ببالغ الأسى و الحزن معتبرة أن الأمر كله لا يخرج عن سياق صراعها المرير ضد طغيان الشمال على الجنوب طمعاً في الأسواق و الموارد.

إن تلك الشعوب المستضعفة التي أدت صلاة الغائب على روحه في أماكن كثيرة من إفريقيا و آسيا و كردستان و ايرلندا الشمالية و أمريكا الجنوبية ستبكيه عند كل قمة أفريقية و كلما طل طيف بوبي ساندس و رفاقه الذين ماتوا إضراباً عن الطعام في (بلفاست).

و لن يجد نكروما من يُحي (قارياً) ذكرى اغتياله غيلةً وغدراً ، وستفقد القمم العربية بغيابه روح الإثارة والتشويق ، و ستظل الأمة الكردية تبكيه ما ظُلمت و كلما جُرجر أوجــلان من جــزيرته النائيــة مُكـبلاً بالحـــديـد ، و بمـوتك لن يظـــهر في الصحراء الكبرى (امغار)للطوارق من غير بني جلدتهم ولن يُنادى بعد اليوم بالتحقيق في مقتل كمال عدوان و خليل الوزير و ياسر عرفات و أبو عُدي من على منابر الأمم المتحدة ، و ستفقد بغيابك قاعة الوفاء يوم وفائها لمنديلا والتليسي و الجواهري وبقية الأسماء، و سيطوي النسيان جموع المصلين خلف إمام عربي في كانو وتمبكتوا..

وربما لن يُخدش شعور المساند الإيطالي بإحياء معركة (القرضابية)بعد أن رحل خطيبها المفوه و الراعي التاريخي لها ، و لا نظنها ستُخلد (امعيتيقة) الطفلة الليبية البريئة كما كانت برفع اسمها على المكان الذي (لأمر ما!) تحاشته غارات (الناتو) و الذي انطلق منه يوماً معــدن طائــر مزق جسدها النحيف و هي ترعى غُنيمات الأهل في ريف تاجوراء ، و ستظل روحي سليمان الباروني و بشير السعداوي ترفرفان في صــحراء ليبيا تبحثـان عن قبــر الرجـل الـذي عَبـرَ البحــــر و المحيط الهادي ليستقدم رفاتيهما إلى (الهاني) حيث تنحني لهما هامات الرجــال و توضــع عليـهما باقات الورود وتُعزف لهما أناشــيد السـلام ، و سيبكي بن بيلا في شيخوخته صديقه الذي يُذَكِّرَه ُببطولات الطـــوارق في (إيسَيّنْ) مع الثورة الجزائرية في عنفوانها وعن كيف امتزج الدم الثلاثي في سَاقِيَة سيـــــــدي يوسف، وعن مظاهرة تنديده بالتجربة النــووية الفرنسـية الأولى في صحراء الجزائر قبل طرده وحيداً منبوذاً من فزان..

و ستظل أمة السود في أمريكا تأسى وتأسف على ما فُعل بصديقها الوفي، وتثني على الرجل الذي مول للعقاد فيلمي الرسالة و عمر المختار وربما ساهم في (السيناريو) لكليهما و الحوار ؛ فضجت قاعات الســـينما الأمريكـــية حينها بالتكــبير و تحـــولت للإسلام جموع الجموع، ولن يجد فقراء المسلمين في جنوب الفلبين والهند وبنما البعيدة بدٌ من البــكاء علـيه و النقمة على من عطل احتضانه لمساجدهم (المُعْتَازة)..

و ستبكي الشيعة في الصحراء العربية و جبال اليمن و إيران حفيد الإمام موســى الكاظــم و جــده الحسين كلما عُرضـت مشاهده مخضباً بالدماء في سرت موطن (القرضابية)و رباطه (الكربلائي) الأخير، ولن تنتظر بـعد اليوم قرى الجنوب الليبي والعجائز فيها قدوم مواكب الرجل الملثم في مواسم التمور يشرب من جِرَارِهنَّ الماء و يجلس على الرمال مستظلاً بسعف النخيل يسألُ عن دروب الهجرات والأنساب وعن كيف تاه رجال المجـــاهد عبد النبـي بالخير في الصحراء وعن عدل العصور التي مرت وعن من أوصل (قرتسياني) إلى جبال (أكاكوس) وصـــــحراء (واو) وعن قوافل(الرواغة) و مقايضات البدو بالصوف والسمن..

و لن تجد ينابيع النهر الصناعي في السرير والجبل راعيها الذي يأمر ماءها بالمسير قسراً و يصف له الطريق إلى مدن الشمال مُفاخراً بمساراته أمم الكون، و ربما يشهد ميدان الجزائر في طرابلس – بعد ذلك الفتى الأسمر النحيل الذي أطلق منه صرخة الإجلاء رداً على نكسة الـ(67) – استقبال وفود مجـلس الكنائس الأعــلى تـحتفل باستعادة كبرى كنائسها في ليبيا ، و قد لا تجد أسماك الخليج بعدك من يُجِيرها من تزاحم كاسحات الأتراك! والإيطاليين! لأنك نسيت تحت الركل والسب و التعذيب المهين أن تفصل بين أنفاسك الأخيرة و خط (32)..

وستبكيك الخيمة العربية و العباءة و الجَرَّدُ وثبات الخطوات في (البيكادلي) اعتزازاً بالتراث ، و ستحنُ إليك النوقُ البيض و الصفراء في مواسم ميلادها حين تفتقد صوتك و رائحة شاهيك و خبزك المردوم تحت رمل النار في صقيع (العثث) و (القحصية) و (اسْدادة) و طريق المطار، وسيبكيك الضعفاء في ليبيا كلما قل أمنهم وسط تطاحن الميليشيات القبلية والجهوية المستترة برداء الوطن و الثوار، وكلما تضافرت الظروف حول (برقة) تدفعها للـ(الكنفدرالية) تهيئة للانفصال..

أولئك الذين أحبوا سماع صوتك و يرفضون حقيقة موتك رغم فقرهم و بؤس مساكنهم؛ لأنك بالنسبة لهم ورغم فوضى (البدونة) وغياب الحقوق والحريات جسدت البساطة و نقاء الهوية واستقلال القرار ومنحت لبلادهم هيبة دولية ولو بالضوضاء والإيهام ، ولكن عل عزاءك و عزاءهم في كل ما جرى أنك لست أول و لا آخر من قُتلَ أو سيُقتل بذات الطريقة فقد رفضت (بني أُمية) – من أجل الترف و المُلكِ- بيعة الحسين و قطعوا رأسه و وفقأوا بالعودِ عينيه وأنفه الذي طالما قبله الرسول (ص) ، وقَتَلَ ثوار المدينة والأمصار – و بلا محاكمة- عثمان بن عفان سيد العسرة و ذو النورين و قُبضت لحيته و تناثر دمـه في المكان حتى قِيلَ إن بقعة من ذلك الـدم الزكـي قــد وصـلت المصـــحف الشـــــريف الــذي كان يتلــوه صــائماً لتقــــع على عبــارة (( فسيكفيكهم الله)).

اجلب المزيد
اجلب المزيد في الرأي