اتفاق الصخيرات وشرعية الأمر الواقع!

عبيد احمد الرقيق

يتحدث الكثيرون اليوم عن تاريخ 17 ديسمبر 2017 ويعتبرونه ذي شأن، وهو في الواقع غير ذلك، البعض يعتقدون ان هذا التاريخ يحدد نهاية الاتفاق السياسي الذي وقّع في الصخيرات المغربية قبل سنتين من الآن ، والحقيقة تنافي ذلك، اذ ان اتفاق الصخيرات لم يحدد موعدا بعينه، فهو قد احتوى على ان تكون فترة المجلس الرئاسي انتقالية بما لا يتجاوز العامين من تاريخ تنفيذه لا التوقيع عليه، والذي حصل فعليا هو انه في يوم 17 ديسمبر 2015م تم التوقيع على الاتفاق السياسي في الصخيرات، في جو من عدم التفاهم التام بين وفدي حوار المؤتمر الوطني ومجلس النواب! ، على أساس أن يتم تنفيذ بنوده فيما بعد مباشرة، واهمها بند اعتماد حكومة الوفاق التي يقترحها المجلس الرئاسي ويعتمدها مجلس النواب.

غير أن مجلس النواب لم يعتمد تلك الحكومة في المرة الأولى وفي الثانية ايضا، الأمر الذي يعني ان الاتفاق قد اصبح مفتوحا وغير مفعلا كما ينبغي! وهذا يعني ان تحديد مدة حكومة الوفاق قد بقي مفتوحا بالتبعيّة، اذ يربطه الاتفاق بان تجرى انتخابات دائمة بعد اعتماد الدستور تحت اشراف اجسام الاتفاق الثلاثة (مجلس النواب- مجلس الدولة- المجلس الرئاسي)، والتي يفترض عندئذ تسليم السلطات للاجسام الجديدة، ولكن واقعيا لم يحدث ذلك ما يعني استمرار هذه الاجسام الثلاثة الى حين ايجاد البديل الشرعي، فهي اجسام الأمر الواقع تفرضها اعتبارات المرحلة الى ان يعتمد الدستور، والذي وفقا لبنوده سيتم اجراء الانتخابات التشريعية المؤدية الى انتاج الاجسام الشرعية البديلة.

منطقيا ان كل من حكومة السراج وحكومة الثني ليست لهما شرعية قانونية او دستورية، فهما مجرد حكومتان فرضهما الأمر الواقع، ولهذا يكون وجودهما في كل الأحوال بناء على معطيات ظرفية وجغرافية، ان اتفاق الصخيرات الذي اوجد المجلس الرئاسي كجسم تنفيذي عام لا يعطي شرعية لحكومة مقترحة من الرئاسي دون التصديق عليها من مجلس النواب، وبالتالي فإن حكومة السراج هي مجرد حكومة امر واقع في المنطقة الغربية، مثلما حكومة الثني حكومة امر واقع في المنطقة الشرقية، وأن التعامل الدولي معهما لا يعني اعتراف بهما ولا يعطيهما أي حصانة قانونية قياسا على اتفاق الصخيرات.

انه يمكن القول وبوضوح ان اتفاق الصخيرات قد ولد ميّتا منذ البداية، اذ الخلاف الكبير بين الموقّعين عليه كان ولازال قائما، ذلك أن فعل التوقيع عليه جاء متسرعا ومحض لملمة شكلية!، فقد كان ليون يسعى في آخر أيام مهمته الى توقيع الاتفاق لمجرد التوقيع دون النظر الى ما هي النتائج المترتبة، ثم ليأتي من بعده كوبلر ويحاول الضغط على طرفي الحوار ويدفعهم دفعا غير مدروس ليوقعوا على الاتفاق وهم غير متفاهمين! وهذا ما سبب فيما بعد في عدم حلحلة الأمور وتركها تراوح في مكانها دون احراز أي تقدم، وهنا يبرز السؤال:  كيف يمكن لنا ان ننتظر تفاهما ووفاقا بين الطرفين الأساسيين في الحوار ، مجلس النواب والمؤتمر الوطني، اذا كل منهما في ذاته منقسما على نفسه وغير متوافق، فلا أعضاء مجلس النواب متوافقون ولا أعضاء مجلس الدولة كذلك!؟

وأمام هذا الوضع الغير متوازن اصبح الارتكان الى الواقع شيئا ملحا لا فكاك منه، وهو ما جعل الأمم المتحدة تتعامل مع كل الأطراف وفق هذه المرجعيّة، اذا نحن اليوم محكومون بشرعيَة الامر الواقع وسنبقى هكذا الى ان تتغير هذه الاجسام الكرتونيّة المحنّطة العاجزة حتى عن مجرد التفاهم فيما بينها، والاجتماع تحت سقف واحد واكمال النصاب! ليس مجديا اليوم الاستمرار في حالة الفوضى التي تعانيها البلد وتتفاقم مطلع كل يوم جديد، والمطلوب التحرك وبسرعة لإنقاذ ما يمكن، وذلك من خلال الاستعداد لانتخابات تشريعية ورئاسية جديدة والأمر يتطلب أولا توحيد المؤسسة العسكرية والخطوات التي ترعاها مصر في هذا الشأن مبشرة بالخير، وبمجرد حدوث ذلك يعني ضمان سير الانتخابات بصورة جيدة، ومن ثم ضمان تسليم واستلام سلس للسلطات، اما في غير ذلك سيكون من الصعب التكهن بمصير الوضع الليبي الذي قد يتطوّر الى ما هو اسوا بكثير مما عليه الآن!

ان اتفاق الصخيرات سيظل هو المرجعية الوحيدة للوضع السياسي في ليبيا الى أن تتشكل اجسام جديدة شرعية تأتي من خلال اجراء انتخابات تشريعية ورئاسية تكون بديلا عن اجسام الاتفاق السياسي التي هي الآن اجسام شرعية بحكم الامر الواقع، فهل يعي الساسة خطور ة هذه المرحلة ويتنازلون عن عنادهم ومصالحهم الشخصية خدمة للصالح العام ام انهم في غيهم يعمهون؟!